السيد محمد تقي المدرسي

24

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

وبما استخلف علياًعليه السلام من بعده ، فقال له : ( أنت مني بمنزله هارون من موسى ) « 1 » . وأدّبه كما أدّبه اللَّه ، وأوكل إليه أمر تأديب أمته ، وحمَّله علمه وهداه ، حتى قال الإمام‌عليه السلام : ( علّمني رسول اللَّه‌ألف باب من العلم ، ينفتح لي من كل باب ألف باب ) . « 2 » وتوارث أئمة أهل البيت هذا النور كابراً عن كابر ، حتىقالوا : ( إنا لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلى الله عليه واله كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم ) « 3 » . وهكذا تكاملت حلقات السلسلة الذهبية للسنّة الشريفة ، التي فسرّت القرآن وأدّبت الأمة ، ونشرت معارف‌الدين ، وأصدرت فتاوى في الحوادث الواقعة معتمدة على نور اللَّه المبين . ولكن عظمة السنّة وشرفها ودورها الحاسم في حياة الأمة لم تَحُل دون اختلافهم فيها . فما هي السنة ؟ ولماذا اختلفت‌رواياتها ؟ ولماذا تناسخت ؟ وهل كلها أحكام تستمر ، أم فيها ما تختص بزمانها ؟ وكيف إذا تراءى خلافها مع ظاهرالكتاب ؟ ومن هنا فإن من أهم الأمور التي اشتغل بها فقهاء الإسلام من كل المذاهب والفرق هو البحث حول‌السنّة ، وانتخاب الروايات التي فيها ، وإخراجها من حيث السند ، وتفسيرها من الغموض ، ورد متشابهها إلى محكمها ، وعامها إلى خاصها ، ومطلقها إلى مقيّدها ، واختيار المفضَّل منها لدى التعارض . مناهج الإجتهاد كيف نعمل لكي لا نخطأ في الاستنباط ؟ من خلال البصائر التي مرت بنا فيما مضى ، عرفنا بعضاً من شروط الاستنباط ومناهجه . وما هذا البحث إلا تكميلًاأو بلورة لها ، ونسميه بالمناهج . والمناهج هذه نوعان ؛ الأول : ما يتصل بكل بحث ، ونسميه بالمناهج العامة . والثاني : ما يختص بالفقه ، ونسميه بالمناهج الخاصة .

--> ( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 37 ، ص 263 . ( 2 ) - بحار الأنوار ، ج 22 ، ص 511 . ( 3 ) - بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 172 .